القرطبي
20
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الأكبر ، كيف يكون حاله ؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيّا عليه « 1 » . وقال التيمي « 2 » : شيئان قطعا عني لذة الدنيا ؛ ذكر الموت ، وذكر الموقف بين يدي اللّه تعالى . وكان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة . وقال أبو نعيم : كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما ، فإن سئل عن شيء قال : لا أدري لا أدري . وقال : أسباط : ذكر عند النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رجل ، فأثني عليه ، فقال عليه السلام : « كيف ذكره للموت ؟ » فلم يذكر ذلك عنه . فقال : « ما هو كما تقولون » « 3 » . وقال الدقاق : من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء : تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة . ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء : تسويف التوبة ، وترك الرضى بالكفاف ، والتكاسل في العبادة . فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته ، وصعوبة كأسه ومرارته ، فيا للموت من وعد ما أصدقه ، ومن حاكم ما أعدله ، كفى بالموت مقرحا للقلوب ، ومبكيا للعيون ، ومفرقا للجماعات ، وهادما للّذات ، وقاطعا للأمنيات ، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك ، وانتقالك من موضعك ، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق ، وخانك الصاحب والرفيق ، وهجرك الأخ والصديق ، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر ، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر ، فيا جامع المال ، والمجتهد في البنيان ؛ ليس لك واللّه من مال إلا الأكفان ، بل هي واللّه للخراب والذهاب ، وجسمك للتراب والمآب ، فأين الذي جمعته من المال ؟ فهل أنقذك من الأهوال ؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك ، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك . ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى : وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ؛ أن النصيب : الكفن فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [ القصص : 77 ] أي : اطلب فيما
--> ( 1 ) انظر : « صفوة الصفوة » لابن الجوزي ( 3 / 206 ) . ( 2 ) هو : إبراهيم بن يزيد بن شريك التّيمي ، أحد الزهّاد الصالحين ، قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين . انظر ترجمته في : « سير أعلام النبلاء » ( 5 / 60 ) و « النجوم الزاهرة » ( 1 / 225 ) و « صفة الصفوة » ( 3 / 61 / ت : 413 ) . ( 3 ) أخرجه البزار ( 4 / 240 / 3622 ) - كشف الأستار - من طريق : يوسف بن عطية ، عن ثابت ، عن أنس مرفوعا . وقال الهيثمي في « المجمع » ( 10 / 309 ) : « رواه البزار ، وفيه يوسف بن عطية ، وهو متروك » . وأخرجه ابن المبارك في « الزهد » ( 265 ) وعنه أحمد في « الزهد » ص 395 عن مالك بن مغول بلاغا .